محمد كرد علي

318

خطط الشام

العلم ، لما شاهد هذا التسفل في طبقة العلماء يشير على طلاب العلم الديني أن يتقن كل واحد منهم صناعة حتى لا يسفّ لأحد يستجدي نواله ، ولا يمسي عالة على أبواب الحكومات وأرباب السلطات ، إن احتاج إلى صناعته احترف بها . وإلا كان لمناصب الدين والدنيا مخطوبا لا خاطبا . ولي سويد بن عبد العزيز قضاء بعلبك سنة ( 167 ه ) وكان محتاجا ، فلقيه داود ابن أبي شيبان الدمشقي فقال له : يا أبا محمد وليت القضاء بعلم العلم والحديث . قال : نشدتك اللّه أتحت جبتك شعار ؟ فقال داود : نعم . فرفع سويد جبته وقال : لكن جبتي ليس تحتها شعار . وقال : أنشدك اللّه هل هذا الطيلسان لك ؟ قال داود : نعم . قال سويد : فو اللّه ما هذا الطيلسان الذي ترى عليّ لي ، وإنه لعارية ، أفلا ألي القضاء بعد هذا ، فو اللّه لو ولوني بيت المال فإنه شر من القضاء لوليته اه . هذا قول عالم في زمن كان صاحب السلطان يطلب الأكفياء إلى القضاء فيفرون منه فرار السليم من الأجرب . ومنهم من ضرب لأنه لم يقبل أن يلي القضاء ، وكان محتما عليه قبوله لانتهاء الرياسة في العلم والعمل إليه . كان هذا في ذاك العصر الذهبي فما بالك بالعصر الأخير ، والجهال يتطلبون مناصب الدين إلا في الندر ، ويقدمون لتوليتها الرّشى والهدايا وقلّ فيهم النزيه الذي يستحق أن يطلق عليه اسم العالم ، أفلا تسقط بجدّك هيبة هذه الطبقة من النفوس بعد هذا ؟ وبينا تجد بعض القائمين على الدين من أهل السواد الأعظم لا يهتمون لغير إملاء جيوبهم وبطونهم ، تشاهد بعض رجال الدين من أبناء الطوائف الصغيرة يجمعون شمل من التفوا ؟ ؟ ؟ حولهم ، يقودونهم إلى محجة سعادتهم ، ويؤسسون لهم دور التعليم والقربات ، وينشلونهم من السقوط الذي صاروا إليه بحكم الأيام . فلا بدع إن جاء مجموع الطوائف المسيحية على قلته في الشام ، أرقى من مجموع الطوائف الإسلامية على وفرة عدده وسعة ثروته . وكان من أثر الرياسة الدينية المنتفية من الإسلام أن استخدمها أهل النصرانية في المصالح المهمة ، فكان لهم فيها عموم النفع . وكانت هذه الرياسة على ما فيها ناجعة في تهذيب الشعب عندهم ، فأخرجوه من تيه الفوضى إلى باحة النظام . وهذا هو سر الترتيب الذي تراه ماثلا في المجتمع النصراني وهو على